جان لوئيس بوركهارت
178
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
البن اليمنى بثلاثين في المائة ، على أنك لا تكاد تفرق بينهما طعما أو شكلا « 1 » . وفي وسع أهل بربر أن يتأدبوا حين يرون التأدب أليق وأجدى . فإذا استقبلوا غريبا وأرادوا الاحتفاء به تكلفوا من الطيبة والبساطة الفطرية ما يخدع أكثر المسافرين حنكة ودراية . على أن هؤلاء المنافقين الذين حذقوا فنهم قل أن ينطلى نفاقهم على من سبق له النزول ببربر . وتسمع حديثهم فإذا هو يفيض بعبارات التحية والمجاملة ، وهم يسألونك عن صحتك وحالك بشتى الأساليب ، فإذا كنت عائدا من غياب طويل قبلوك وصافحوك في شوق وحرارة . ويسلم الرجل منهم على النساء باحترام وإجلال ، فيمس الرجل جبين المرأة بيمناه ثم يقبل أنامله التي مستها . وهم يسألونك عادة : شديد ؟ ، وأغرب من هذا عبارة لم أسمعها من قبل ، فهم يقولون لك : لعلك طيب « 2 » ؟ ولعلهم يريدون هل أنت من القوة بحيث تمشى على نعلك ما شئت أن تمشى ؟ وإذا لقى أحدهم صاحبه أول مرة بعد موت قريب له جثا إلى جواره على إحدى ركبتيه ، وطفق يردد متفجعا « في سبيل اللّه ، في سبيل اللّه » ، وهو يعنى أن الفقيد مضى في سبيل اللّه القويم وأن له أجره ومثوبته . ثم أقام الشخص بيده - رجلا كان أو امرأة - وبادله بعد ذلك التحية المألوفة . وأدهشني ألا أرى القوم في هذا البلد الإسلامي الصريح يحيون بعضهم بعضا بالتحية الشائعة بين المسلمين ، أعنى عبارة « السلام عليكم » . فهم لا يحيون عادة إلا بلفظ طيب ؟ يرددونه مرات . وقد يحيى رجال الدين بقولهم « سلام سلام » دون أن يضيفوا إليها كلمة ، ولكن القوم لا يردون تحيتهم بما يرد به المسلمون ، فلا يقولون « وعليكم السلام » ، بل « طيب ، أنت طيب ؟ » . ويحيون أعضاء الأسرة المالكة بعبارة « يا أرباب » ويلقيونهم بالرءوس ، فيقولون الرأس إدريس ، والرأس محمد إلخ . وهو لقب شائع الاستعمال في هذه البلاد كلها ، ويبدو أنه انتشر منها إلى الحبشة « 3 »
--> ( 1 ) آثرنا حذف ما ورد في الصفحات من 221 إلى أول ص 225 لما فيها من كيل السباب جزافا . ( غربال ) ( 2 ) لعل صحة هذه العبارة « لعلك طيب » . ( المترجم ) ( 3 ) أصل اللقب من الحبشة . ( المترجم )